دخل المنتخبان البرازيلي والمغربي أرضية الملعب وسط أجواء جماهيرية مشحونة بالحماس والترقب، حيث حملت هذه المواجهة في دور المجموعات لبطولة كأس العالم أهمية بالغة لكلا الطرفين في مشوار البحث عن بطاقة العبور للدور المقبل. بدأت المباراة بضغط هجومي متوقع من جانب السامبا البرازيلية التي حاولت فرض أسلوب لعبها منذ الدقائق الأولى من خلال الاستحواذ على الكرة وتدويرها بسرعة في وسط الملعب لخلخلة الدفاع المغربي المنظم. واعتمد المدرب البرازيلي على مهارات أجنحته السريعة لخلط الأوراق وإجبار تكتل أسود الأطلس على التراجع للخلف، إلا أن المنظومة الدفاعية المغربية أظهرت تماسكا كبيرا ويقظة عالية بقيادة خط الدفاع وحارس المرمى الذي تعامل بثقة مع الكرات العرضية الأولى. ومع مرور الدقائق العشر الأولى، بدأ المنتخب المغربي في التخلص من الضغط البرازيلي من خلال تنظيم مرتدات سريعة وخطيرة اعتمدت على السرعة في نقل الكرة من الدفاع إلى الهجوم عبر الأطراف، وهو ما شكل تهديدا حقيقيا على الدفاع البرازيلي الذي بدا مرتبكا في بعض اللقطات نتيجة السرعة والجرأة التي أظهرها لاعبو المغرب. وسجلت المباراة أولى الفرص الحقيقية عندما قاد خط الوسط المغربي هجمة منظمة مرر على إثرها الكرة نحو المهاجم الذي سددها قوية مرت بجانب القائم الأيمن للحارس البرازيلي، لتشتعل مدرجات الملعب بالهتافات المؤازرة لأسود الأطلس الذين أثبتوا أنهم ند قوي لواحد من أبرز المرشحين لنيل اللقب العالمي. وجاء الرد البرازيلي سريعا من خلال اختراق عميق من منتصف الملعب تطلب تدخلا فدائيا من المدافع المغربي لإبعاد الكرة إلى ركلة ركنية قبل أن تصل إلى المهاجم المنفرد بالمرمى.
تواصل السجال التكتيكي بين المدربين، حيث ركز البرازيليون على الكرات القصيرة والاختراق من العمق مستغلين المهارات الفردية العالية للاعبي خط الهجوم، بينما اعتمد المغرب على تضييق المساحات والضغط العالي على حامل الكرة لمنع لاعبي السامبا من التفكير أو التمرير بأريحية
وشهدت الدقيقة الثلاثون تحولا هاما في مجريات الشوط الأول عندما احتسب حكم اللقاء خطأ لصالح البرازيل على مشارف منطقة الجزاء، انبرى لها النجم البرازيلي ليرسل كرة لافة تجاوزت الحائط البشري وتصدى لها الحارس المغربي ببراعة فائقة محولا إياها إلى ركنية وسط تصفيق حار من الجماهير. ولم يتأخر الرد المغربي كثيرا، حيث استغل الجناح الأيمن سرعته الفائقة وقطع كرة في منتصف الملعب لينطلق بها نحو مناطق الجزاء البرازيلية، متجاوزا المدافع الأول ثم أرسل عرضية زاحفة ومتقنة تابعها المهاجم القادم من الخلف بلمسة ذكية استقرت في الشباك البرازيلية معلنة عن الهدف الأول للمنتخب المغربي وفرحة عارمة عمت أرجاء الملعب. هذا الهدف صدم المعسكر البرازيلي وأجبرهم على الاندفاع الكلي نحو الهجوم بغية إدراك التعادل قبل نهاية الشوط الأول، مما ترك مساحات شاسعة في خط ظهرهم حاول لاعبو المغرب استغلالها عبر التمريرات الطويلة خلف المدافعين، وكاد أسود الأطلس أن يضاعفوا النتيجة في مناسبتين لولا التسرع في اللمسة الأخيرة وتألق الحارس البرازيلي في إبعاد انفراد صريح. استمر الضغط البرازيلي الرهيب في الدقائق الأخيرة من الشوط الأول وحاصروا المنتخب المغربي في منطقته، وصنعوا جملة من الفرص الخطيرة التي تصدى لها الدفاع المغربي باستماتة وروح قتالية عالية، حتى أطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول بتقدم تاريخي ومستحق للمغرب بهدف دون رد.
مع بداية الشوط الثاني، أجرى المدير الفني للمنتخب البرازيلي تبديلات هجومية لضخ دماء جديدة في خط الأمام وزيادة الضغط على الدفاع المغربي، بينما دخل لاعبو المغرب الشوط العزم والتركيز ذاته للحفاظ على تقدمهم وتأمين النتيجة. انطلق الشوط الثاني بضغط برازيلي مكثف تراجع على إثره المنتخب المغربي لتأمين المناطق الخلفية والاعتماد الكلي على الهجمات المرتدة الساعية لقتل المباراة.
وتوالت الهجمات البرازيلية من كل حدب وصوب، حيث شكلت الجهة اليسرى للبرازيل مصدر خطورة مستمر عبر الكرات العرضية والتوغلات الخطيرة التي أربكت الدفاع المغربي في بعض الفترات. وفي الدقيقة الخامسة والخمسين، ومن هجمة منسقة وسريعة، نجح المنتخب البرازيلي في إدراك هدف التعادل بعد سلسلة من التمريرات القصيرة الرائعة داخل منطقة الجزاء انتهت بتسديدة قوية سكنت الزاوية العليا للمرمى المغربي، لتعود المباراة إلى نقطة الصفر وتشتعل الإثارة من جديد. بعد هدف التعادل، لم يتراجع المنتخب المغربي بل أظهر شخصية قوية وقام بتقدم هجومي لرد الفعل، حيث تبادل الفريقان الهجمات السريعة والخطيرة التي جعلت المباراة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وأجرى المدرب المغربي بدوره تغييرات في خطي الوسط والهجوم لاستعادة السيطرة على معركة منتصف الملعب وضخ الحيوية في صفوف الفريق، وهو ما أتى أكله سريعا حيث عاد التوازن للمباراة وبدأ المغرب في تهديد المرمى البرازيلي مجددا عبر تسديدات من خارج منطقة الجزاء وركلات ركنية شكلت خطورة بالغة على الدفاع الأصفر. وشهدت الدقيقة السبعون أخطر فرص الشوط الثاني للمغرب عندما سدد لاعب خط الوسط كرة قوية ارتدت من العارضة البرازيلية وسط حسرة كبيرة من الجماهير المغربية التي كانت تنظر الهدف الثاني. وفي الربع الأخير من اللقاء، بلغت الإثارة ذروتها مع محاولة كل فريق خطف نقاط المباراة الثلاث الفاضلة، وكثف المنتخب البرازيلي من محاولاته الهجومية مستغلا الإرهاق البدني الذي بدأ يظهر على بعض لاعبي المغرب، إلا أن الاستبسال الدفاعي والروح الجماعية العالية لأسود الأطلس حالت دون اهتزاز شباكهم مرة أخرى. وفي المقابل، شكلت المرتدات المغربية خطرا دائما ومقلقا للمدرب البرازيلي الذي طالب مدافعيه بالحذر وعدم الاندفاع الكامل.
وتألق الحارس المغربي بشكل لافت في الدقائق الخمس الأخيرة عندما تصدى لكرتين حاسمتين من انفرادين لمهاجمي البرازيل، ليؤكد نجوميته في هذه السهرة الكروية الكبيرة. واحتسب حكم اللقاء وقتا بدلا ضائعا شهد إثارة منقطعة النظير وتبادلا للهجمات الخطيرة بين الطرفين، حيث كاد المغرب أن يخطف الفوز في الثواني الأخيرة من تسديدة مرت بمحاذاة القائم، قبل أن يطلق الحكم صافرته المعلنة عن نهاية الملحمة الكروية بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق، في مواجهة أوفت بكل وعودها الكروية وأظهرت مستويات فنية وتكتيكية رفيعة تليق بسمعة المنتخبين وبحجم بطولة كأس العالم.
