الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) وأطر التوجيه والتخطيط التربوي: معركة استرجاع الحقوق وتحصين المكتسبات وآفاق تنزيل المادة 76

 الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) وأطر التوجيه والتخطيط التربوي: معركة استرجاع الحقوق وتحصين المكتسبات وآفاق تنزيل المادة 76



تخوض الشغيلة التعليمية بالمغرب، وبشكل خاص أطر التوجيه والتخطيط التربوي، واحدة من أهم المعارك المهنية والتشريعية في تاريخها الحديث، دفاعا عن حقوقها المادية والإدارية والاعتبارية، وسعيا إلى ترسيخ مكتسباتها وصيانتها من كل أشكال الالتفاف أو التراجع. وفي صلب هذه المعركة تبرز الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) باعتبارها قوة نقابية كفاحية مستقلة جعلت من إنصاف هذه الفئة أولوية نضالية ضمن مشروعها الشامل للدفاع عن المدرسة العمومية وحقوق العاملين بها.

وقد شكل استرجاع الحق في تغيير إطار مستشاري التوجيه والتخطيط التربوي إلى إطار مفتش، بموجب المادة 76 من النظام الأساسي الجديد الصادر بالمرسوم رقم 2.24.140، مكسبا تاريخيا لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة تنازل إداري عابر، بل ثمرة مسار نضالي امتد لأزيد من عقدين من الزمن، خاضته الجامعة الوطنية للتعليم بإصرار وثبات من أجل تصحيح وضعية مهنية ظلت مجمدة منذ سنوات طويلة، وإعادة الاعتبار لهذه الفئة داخل المنظومة التربوية.

لقد اعتبرت النقابة أن التنزيل السليم والأمين للمادة 76 يشكل المدخل الحقيقي لإنصاف المستشارين والمستشارات، من خلال تفعيل التكوين الخاص بمركز التوجيه والتخطيط التربوي (COPE) لفائدة جميع الأفواج المعنية، وتمكينها من الولوج إلى إطار التفتيش دون شروط إقصائية أو تأويلات تضيق من مضمون الحق المكتسب. كما أكدت أن إنجاح هذا الورش يقتضي مواكبة دقيقة لمختلف مراحل التنفيذ، وتتبعا صارما للوائح المستفيدين وأفواج التكوين، ضمانا للشفافية وتكافؤ الفرص وصونا للمكتسبات المحققة.

وفي هذا السياق، برز الدور المهم   للجامعة الوطنية للتعليم، التي نجحت في جعل ملف أطر التوجيه والتخطيط التربوي جزءا لا يتجزأ من الملف المطلبي العام للشغيلة التعليمية، رافضا اختزاله في مطلب فئوي معزول. وقد دافع، خلال مختلف جولات الحوار القطاعي، عن ضرورة احترام الالتزامات المتوافق بشأنها، والتعجيل بتسوية الملفات العالقة، انطلاقاً من قناعة راسخة مفادها أن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف أطرها وتحسين أوضاعها المهنية والمادية.



وبالموازاة مع ذلك، اضطلعت اللجنة الوطنية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي داخل الجامعة الوطنية للتعليم، بدور محوري في التأطير الميداني والترافع المؤسساتي، من خلال تتبع مختلف الملفات التقنية والتنظيمية، وصياغة المقترحات التعديلية، ومواكبة مسارات التكوين والإدماج، والتصدي لكل المحاولات الرامية إلى الالتفاف على حقوق هذه الفئة أو فرض شروط تعجيزية تحد من استفادتها الكاملة من مقتضيات المادة 76.

ولم يقتصر نضال الجامعة الوطنية للتعليم على ملف الإدماج وتغيير الإطار، بل امتد إلى الدفاع عن الهوية المهنية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي، ورفض كل أشكال تعويم المهام أو تحميلها اختصاصات لا تدخل ضمن مجالات عملها القانونية والتنظيمية. وفي هذا الإطار، عبرت النقابة عن رفضها القاطع لإسناد مهام إدارية أو تنظيمية لا تستند إلى أي سند قانوني، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تمس بالمكانة المهنية لهذه الأطر وتفرغ تخصصها من مضمونه.

كما طالبت الوزارة بإصدار مذكرة تنظيمية واضحة تمنع بشكل صريح تكليف أطر التوجيه والتخطيط بمهام خارجة عن اختصاصاتها، مستنكرة بعض حالات التكليف التعسفي المسجلة بعدد من المديريات الإقليمية، والتي تعكس استمرار بعض الممارسات التدبيرية غير المنسجمة مع مقتضيات النظام الأساسي الجديد.

وفي ارتباط بالإصلاحات التربوية الجارية، انتقدت الجامعة الوطنية للتعليم تغييب أطر التخطيط التربوي عن عدد من المحطات الأساسية المرتبطة بتنزيل برنامج "مؤسسات الريادة"، خاصة ما يتعلق بتحديد واختيار المؤسسات المستهدفة. واعتبرت أن إقصاء هذه الأطر من المساهمة في اتخاذ القرارات المرتبطة بالخريطة المدرسية والتوزيع المجالي للمؤسسات التعليمية يمثل هدرا لخبراتها التقنية والإحصائية، ويؤثر سلبا على جودة التخطيط التربوي وفعالية البرامج الإصلاحية.

أما على المستوى المالي، فقد دافعت الجامعة الوطنية للتعليم بقوة عن ضرورة إنصاف أطر التوجيه والتخطيط التربوي من خلال مراجعة منظومة التعويضات المخصصة لها، والمطالبة بإقرار تعويضات عادلة عن المهام المرتبطة بمؤسسات الريادة، وتسوية الاختلالات المسجلة في تعويضات تتبع الأثر بين مختلف الأكاديميات الجهوية، إلى جانب إقرار تعويضات نظامية عن التنقل والمأموريات، والرفع من قيمتها بما يتناسب مع طبيعة المهام الميدانية التي تضطلع بها هذه الأطر.

كما شملت المطالب النقابية ضرورة إقرار تعويضات عن المهام الإدارية التي يمارسها عدد من أطر التوجيه والتخطيط خارج اختصاصاتهم الأصلية، على قدم المساواة مع باقي الأطر الإدارية العاملة بالقطاع.

ولم تغفل الجامعة الوطنية للتعليم الجانب الاجتماعي، حيث شددت على ضرورة إرساء حركة انتقالية جهوية منصفة لأطر التوجيه والتخطيط التربوي، يتم التنصيص عليها بوضوح ضمن القرار المنظم للحركة الانتقالية الوطنية، بما يضمن الاستقرار الأسري والاجتماعي لهذه الأطر، ويخفف من الأعباء النفسية والمهنية التي تتحملها، ويسهم في تحسين مردوديتها وجودة أدائها.


الآفاق الاستراتيجية لتنزيل المادة 76: من الاعتراف القانوني إلى الأثر المالي والإداري

تمثل المادة 76 اليوم الاختبار الحقيقي لمدى التزام وزارة التربية الوطنية بتنفيذ مخرجات الحوار القطاعي. فالمعركة لم تعد مرتبطة بالاعتراف القانوني بالحق في تغيير الإطار فحسب، بل أصبحت مرتبطة أساسا بضرورة التفعيل الفعلي لهذا الحق من خلال صرف الأثر المالي المترتب عنه، وتحيين الوضعية الإدارية للأطر المعنية عبر تغيير تسميات أطرها الرسمية من "مستشار" إلى "مفتش في التوجيه التربوي" أو "مفتش في التخطيط التربوي".

وتعتبر الجامعة الوطنية للتعليم أن نجاح هذا الورش يقتضي تسوية شاملة ومنصفة لجميع الفئات المعنية، وفي مقدمتها:

فوج 2024 من خريجي مركز التوجيه والتخطيط التربوي، باعتباره أول فوج معني بالتنزيل الفعلي للمقتضيات الجديدة.

أطر السلمين 10 و11 التي عانت لسنوات طويلة من محدودية آفاق الترقي المهني والأجري.

الأطر التي اختارت تأجيل الإدماج حفاظا على بعض الحقوق المكتسبة، والتي يجب أن تستفيد كاملة من جميع الآثار الإدارية والمالية عند التحاقها بالإطار الجديد.

وتؤكد النقابة أن الأبعاد الحقيقية للمادة 76 تتجاوز الجانب المالي المباشر، لتشمل إعادة بناء المكانة الاستراتيجية لمفتشي التوجيه والتخطيط التربوي داخل الأحواض والمناطق التربوية الجديدة، وتمكينهم من ممارسة أدوارهم التأطيرية والقيادية في إعداد وتتبع المخططات التربوية وتوجيه السياسات التعليمية على المستوى الترابي.

وفي ظل ترقب الأطر المعنية لتسوية هذا الملف خلال المرحلة المقبلة، تواصل الجامعة الوطنية للتعليم تعبئتها ومواكبتها الدقيقة لمختلف مستجداته، مؤكدة أن الحقوق التي انتُزعت عبر سنوات طويلة من النضال لا يمكن أن تكون موضوع تأجيل أو تراجع تحت أي مبرر.

إن الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها يظل رهينا بوحدة الصف النقابي، وتعزيز الانخراط الواعي داخل التنظيمات النقابية المناضلة، باعتبارها الأداة الأساسية للدفاع عن الحقوق وصون المكتسبات. كما أن الاستحقاقات المقبلة المرتبطة بتحديد الأدوار الجديدة للمفتشين داخل المنظومة التربوية تجعل من استمرار التعبئة والترافع النقابي ضرورة ملحة لضمان تدقيق الاختصاصات، وترسيخ الاستقلالية المهنية، وتوفير الإمكانات البشرية واللوجستيكية الكفيلة بتمكين أطر التوجيه والتخطيط التربوي من أداء رسالتها الاستراتيجية في خدمة المدرسة العمومية المغربية.

وتبقى القناعة الراسخة لدى الجامعة الوطنية للتعليم أن قوة التنظيم ووحدة الصف واستمرار النضال المسؤول هي الضمانة الأساسية لصون المكتسبات وانتزاع المزيد من الحقوق، تجسيداً للشعار الذي رافق مسار هذه الفئة لعقود: 

"من لا تنظيم له لا قوة له، ومن لا قوة له لا حقوق له."

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم